الطبراني
355
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )
قوله تعالى : وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ ؛ قال ابن عبّاس : ( وذلك أنّ سبعة عشر رجلا من المنافقين من بني عمرو بن عوف قالوا فيما بينهم : تعالوا نبني مسجدا يكون متحدّثنا ومجمع رأينا بأن تأتوا إلى رسول اللّه وتستأذنوه أن نبني مسجدا لذوي العلّة واللّيلة المطيرة . فأذن لهم فبنوا مسجدا ، وكان يؤمّهم في ذلك المسجد مجمع بن الحارثة ، وكان قارئا للقرآن فأنزل اللّه هذه الآية ) « 1 » . ومعناها : والذين اتّخذوا مسجد للضّرار والكفر والتفريق بين المؤمنين . قوله تعالى : ( وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ ) أي وانتصارا لمن حارب اللّه ورسوله ، وهو أبو عامر الراهب كان حارب النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قبل بناء هذا المسجد ، ومضى إلى هرقل ملك الرّوم يستعين به على النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه ، فسماه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فاسقا ، قال : [ لا تسمّوه الرّاهب ] ، ودعا عليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فمات كافرا بقنسرين موضع بالشّام « 2 » . قوله تعالى : وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا الْحُسْنى ؛ معناه : ليحلف المنافقون أنّا لم نرد ببناء هذا المسجد إلا الخير ، وهم كذبة في حلفهم لقوله تعالى : وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ( 107 ) ؛ ما بنوه للخير . روي أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم لمّا قدم المدينة مهاجرا أقبل إليه أبو عامر هذا المذكور فقال له : ما هذا الّذي جئت به ؟ قال : [ الحنيفيّة دين إبراهيم عليه السّلام ] قال أبو عامر : وأنا عليها ، فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : [ فإنّك لست عليها ] قال : بلى ؛ ولكنّك أدخلت في الحنيفيّة ما ليس منها ، فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : [ ما فعلت ذلك ، ولكن جئت بها بيضاء نقيّة ] فقال أبو عامر : أمات اللّه الكاذب منّا طريدا وحيدا غريبا ، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : [ آمين ] فسمّاه أبو عامر الفاسق .
--> ( 1 ) أخرجه الطبري في جامع البيان عن عبد اللّه بن عباس وغيره : الحديث ( 13361 - 13363 ) . ( 2 ) أخرج القصة الطبري في جامع البيان : الحديث ( 13363 - 13364 ) . وابن أبي حاتم في التفسير : الحديث ( 10066 ) .